قال أحمد بوز إن إعلان عزيز أخنوش عدم الترشح لولاية جديدة على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار حتى وإن كان من المشروع قراءته أيضا بوصفه نهاية لمسار سياسي معين، فإنه قد لا يكون كذلك. معتبرا أن هذا القرار لا يمكن فهمه بالضرورة باعتباره انسحابا من المشهد السياسي بقدر ما قد يعكس محاولة لإعادة ترتيب موقعه، أو بالأحرى موقع حزبه، داخل بنية السلطة خلال المرحلة القادمة. موضحا أن أخنوش لا يبدو بصدد مغادرة دوائر القرار، بل قد يكون بصدد إعادة التفاوض حول شكل حضوره وحضور حزبه فيها، وهو ما يجعل هذا القرار جزءا من هندسة دقيقة لمرحلة ما بعد 2026.
وأوضح أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بكلية الحقوق السويسي، في تصريح خص به الجريدة الإلكترونية «سفيركم»، أن هذه الخطوة تفتح المجال أمام ثلاث قراءات أساسية تساعد على فهم خلفياتها ودلالاتها السياسية. ففي تقديره، فإن القراءة الأولى تفيد بأن قرار أخنوش قد يعني عدم ترؤسه للحكومة المقبلة، حتى في حال تصدر حزب التجمع الوطني للأحرار نتائج انتخابات 2026، علما أن رئاسة الحزب ليست شرطا دستوريا لتولي رئاسة الحكومة. وبرأيه فإن أخنوش راكم، منذ 2021، كلفة سياسية ورمزية مرتفعة خلال ترؤسه للحكومة، وأن إعلانه عدم الاستمرار على رأس الحزب قد يعكس وعيا بأن الشخص ذاته بات يشكل عبئا سياسيا على مرحلة تتطلب امتصاص الاحتقان وإعادة ترميم الثقة. ومن ثم، يبدو هذا الانسحاب بمثابة فصل استباقي بين الحزب ومرشحه المفترض لرئاسة الحكومة، بما يوسع هامش المناورة خلال الاستحقاق الانتخابي أو في مرحلة ما بعده.
وفي ارتباط بنفس القراءة، اعتبر المتحدث أن القراءة الثانية تتمثل في احتمال أن يكون أخنوش بصدد تهييء الأرضية لتمرير القيادة إلى شخصية جديدة من داخل حزب الأحرار، وإن كان هذا السيناريو، بحسب أحمد بوز، يظل مشروطا بطبيعة الاسم الذي سيختار للخلافة، إذ ليس كل بديل تنظيمي قادرا على أن يكون بديلا سياسيا أو حكوميا. ففي تقديره، فإن هذه القراءة تتطلب أن يكون البديل شخصية تتوفر على القبول المؤسساتي، والقدرة على تدبير التحالفات، والحد الأدنى من الشرعية الانتخابية. والأهم من ذلك، يضيف المتحدث، القدرة على استثمار وإعادة تشغيل رأسمال النفوذ الذي بناه أخنوش وراكَمه خلال سنوات صعوده، وهو رأسمال لا يقتصر على الموقع الحزبي أو الحكومي، بل يمتد إلى شبكة علاقات معقدة تشكلت، أساسا، حول وزارة الفلاحة باعتبارها قاعدة إنتاج النفوذ السياسي والاقتصادي لأخنوش.
أما القراءة الثالثة، فيرى بوز أنها الأعمق دلالة، إذ يعتبر أن قرار أخنوش قد يشكل، في أحد أبعاده، رميا محسوبا للضغط في اتجاه الدولة، واختبارا هادئا لرد فعلها. معتبرا أن أخنوش يدرك، بحكم موقعه وتجربته، مركزية الدولة في معادلة تشكيل الحكومات، حيث تظل الانتخابات شرطا ضروريا لكنها ليست دائما العامل الحاسم في تحديد من يقود الجهاز التنفيذي. ولتوضيح هذه النقطة، يضيف المتحدث أن انسحاب أخنوش من قيادة الحزب يضع الفاعلين المؤثرين أمام سؤال غير معلن لكنه جوهري: هل يراد استمراره في الواجهة الحكومية، أم أن المرحلة المقبلة تستوجب البحث عن بديل؟ وإذا كان البديل مطلوبا، فهل ينبغي أن يكون من داخل حزب الأحرار أم من خارجه؟ وبهذا المعنى، يتحول القرار إلى أداة لجس النبض أكثر منه إعلانا عن انسحاب نهائي، وإلى رسالة سياسية مفادها أن استمرار أخنوش ليس تحصيل حاصل، لكنه أيضا ليس مستبعدا في غياب توافق واضح حول البدائل.
ويخلص الأستاذ أحمد بوز إلى أن هذا القرار، وفي جميع الأحوال، لا يمكن قراءته كخيار ذاتي أو تنظيمي معزول، بل كقرار سياسي مركب يعكس إدراكًا دقيقًا لتحولات ميزان الكلفة والربح في ممارسة السلطة. فبرأيه، تعكس هذه الخطوة وعيًا متزايدًا بأن رئاسة الحكومة، في السياق الراهن، لم تعد موقعًا لتراكم الرأسمال السياسي بقدر ما أصبحت فضاءً لاستنزافه، وأن البقاء في قلب المعادلة السياسية لا يقتضي بالضرورة التموقع في الواجهة.