اعتبر النقيب عبد الرحيم الجامعي أن مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة لا يمكن فصله عن التوجه السياسي الذي تقوده الحكومة، مؤكدا أن الأمر لا يتعلق بشخص وزير العدل عبد اللطيف وهبي بقدر ما يعكس خيارا يروم إخضاع مهنة المحاماة لمنطق الاستثمار وحماية الرأسمال الأجنبي، ولو كان ذلك على حساب استقلالية الدفاع والتوازن الدستوري داخل منظومة العدالة.
وأوضح النقيب الجامعي، خلال مداخلته في الندوة التي نظمها اتحاد المحامين الشباب بهيئة الرباط أمس الاثنين 19 يناير 2026، أن مشروع القانون يمثل أخطر نص تشريعي عرفته المهنة، لأنه ينتقل بالمحاماة من رسالة حقوقية مستقلة إلى خدمة وظيفية تابعة، محذرا من أن وزارة العدل، من خلال هذا المشروع، لا تسعى إلى تعيين محامين تابعين لمستثمرين أجانب بشكل مباشر، بل تفتح المجال أمام مكاتب وخبرات قانونية دولية للولوج إلى المغرب بقوتها القانونية والتكنولوجية، خارج منطق التأطير المهني الوطني.
وسجل المتحدث أن هذا التوجه يعكس اختيارات سياسية واضحة تهدف إلى طمأنة المستثمرين الأجانب، عبر تطويق المحاماة المغربية وسلبها من استقلاليتها، معتبرا أن حماية الاستثمار الأجنبي، كما يتم فهمها في هذا المشروع، تمر عبر إضعاف مؤسسات الدفاع، وتحويل المحامي المغربي إلى فاعل تابع بدل كونه سلطة مجتمعية قادرة على خلق التوازن داخل النظام العام.
وانتقد النقيب الجامعي ما اعتبره إقحاما مباشرا لوزارة العدل والنيابة العامة في تدبير شؤون المهنة، من خلال تقاسم الولاية التنظيمية مع الهيئات المهنية، مؤكدا أن هذا الاختيار يشكل مساسا خطيرا بمبدأ التدبير الذاتي للمحاماة، ويجعل النقباء والمجالس في موقع خاضع لتوجيهات السلطة التنفيذية، وهو ما يفقد المؤسسات المهنية فعاليتها ومشروعيتها.
وفي هذا السياق، أشار إلى أن النص المقترح يقيد صلاحيات النقيب، إذ يصبح عاجزا عن ممارسة سلطته داخل هيئته دون الرجوع إلى الوزارة، معتبرا أن هذا الوضع يحول مؤسسات المحاماة إلى هياكل شكلية، بدل تمكينها من لعب دورها التاريخي في حماية الحقوق والحريات.
وتوقف النقيب الجامعي عند النقاش المرتبط بشروط الولوج إلى المهنة، مشددا على أن التركيز على الشهادات واللغات، رغم أهميته، لا يجب أن يتحول إلى أداة للإقصاء أو ذريعة لضرب وحدة الجسم المهني، مؤكدا أن الخطر الحقيقي لا يكمن في مستوى التكوين، بل في الفلسفة العامة للنص التي تستهدف إضعاف المؤسسات.
كما عبر عن استغرابه من تقليص أدوار المجلس الوطني للمحاماة في المشروع، بعدما كان يفترض أن يتحول إلى مخاطب أساسي في قضايا التشريع والسياسات العمومية المرتبطة بالعدالة، على غرار مؤسسات دستورية أخرى، متسائلا عن سبب تغييب المحاماة عن هذا المستوى من التأثير المؤسساتي.
وحذر النقيب الجامعي من أن إضعاف مهنة المحاماة ستكون له انعكاسات خطيرة على العدالة بصفة عامة، مؤكدا أن محاماة ضعيفة أو خاضعة ستفتح المجال أمام تفشي الفساد والرشوة داخل أجهزة العدالة، لأن المحامي يشكل، بحسب تعبيره، أحد الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة ولحماية حقوق المتقاضين.
وشدد النقيب الجامعي على أن مشروع القانون 66.23 يتضمن عدة مقتضيات تمس حقوق الدفاع وقرينة البراءة كما ينص عليهما الدستور، مؤكدا عزمه الدفع بعدم دستورية عدد من مواده، ومشددا على أن المعركة ضد هذا المشروع ليست معركة مهنية ضيقة، بل معركة دستورية وحقوقية دفاعا عن العدالة وعن حقوق المواطنين.