تشهد المواقف الإقليمية في ظل التوترات المتصاعدة بين إيران وعدد من الدول العربية، خصوصا في منطقة الخليج، حالة من إعادة الاصطفاف السياسي والدبلوماسي، وفي هذا السياق، برزت مواقف عربية واضحة في إدانة الهجمات الإيرانية والتعبير عن التضامن مع دول الخليج، في مقابل مواقف أخرى اتسمت بالحذر أو الصمت، ويُعد الموقف الجزائري من أبرز هذه الحالات التي أثارت تساؤلات في الأوساط السياسية والإعلامية، بالنظر إلى غياب موقف صريح يعكس تضامنًا واضحًا مع الدول العربية المستهدفة.
ويطرح هذا الغموض في الموقف الجزائري، تساؤلات حول طبيعة علاقات الجزائر الإقليمية، خاصة في ظل ما ينظر إليه كتحالف ضمني أو تقارب استراتيجي مع إيران، فبينما انتظرت العديد من العواصم العربية موقفا أكثر وضوحا من الجزائر تجاه الهجمات التي طالت دول الخليج، اكتفت الدبلوماسية الجزائرية بخطوات بروتوكولية محدودة، مثل استقبال سفراء بعض الدول الخليجية، دون أن يرافق ذلك أي موقف سياسي قوي أو مبادرة دبلوماسية واضحة داخل الأطر الإقليمية، وعلى رأسها جامعة الدول العربية.
وفي هذا السياق، يرى الدكتور خالد الشيات، أستاذ القانون العام والعلوم السياسية بجامعة محمد الأول بوجدة، في تصريح لموقع “سفيركم”، أن هذا” الموقف الضبابي يعكس حسابات سياسية معقدة تحكم تموضع الجزائر الإقليمي، وتفسر ترددها في اتخاذ موقف واضح إلى حين اتضاح مآلات الصراع في المنطقة.”
وأضاف الشيات أن “الجزائر لم تبد تقريبا أي موقف واضح في سياق هذه الحرب، و لم تتخذ خطوات تظهر دعما صريحا لحليفتها الاستراتيجية إيران، كما لم تعلن في المقابل تضامنا واضحا مع الدول العربية الخليجية، كما أن الجزائر لم تقدم حتى تعازي رسمية في اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، كما لم تصدر تهنئة بتولي نجله منصب المرشد، وهو ما يعكس بحسبه محاولة البقاء في منطقة رمادية”.
واعتبر المحلل السياسي، “أن هذا السلوك يعكس طبيعة التحالف غير المعلن بين الجزائر وإيران، وهو تحالف يصعب على النظام الجزائري، الانفكاك منه في الظرفية الحالية”، لافتا إلى أن “الجزائر تنتظر اتضاح مآلات الحرب، خاصة وأنها لم تحقق بعد هدفها الرئيسي المتمثل في إسقاط النظام الإيراني، لذلك تعتمد الجزائر سياسة الضبابية في مستويات متعددة وتفضل عدم الانخراط في مواقف حاسمة”.
وأكد أستاذ القانون العام بجامعة وجدة، أن “الربط بين الجزائر وإيران أصبح اليوم أمرا واضحا بالنسبة للعديد من المراقبين، إذ ينظر إلى الجزائر باعتبارها أقرب حليف إقليمي لإيران في شمال إفريقيا، بل ويذهب بعض المحللين إلى اعتبارها بمثابة قاعدة متقدمة للنفوذ الإيراني في المنطقة”.
وأشار المتحدث كذلك إلى أن “الاكتفاء باستقبال سفراء دول الخليج دون إصدار موقف سياسي قوي، إضافة إلى عدم دعم إصدار بلاغ حاد داخل جامعة الدول العربية، يعكس حدود قدرة الجزائر على الخروج من دائرة هذا التحالف، وهو ما يدل على أن النظام الجزائري اختار هذا التوجه الاستراتيجي في علاقاته الإقليمية.”
وختم الشيات بالقول، “إن النقاشات الدولية حول مستقبل النظام الإيراني، وطبيعة التعامل معه في ظل الضغوط المتزايدة التي يواجهها، سيؤدي إلى إضعاف إيران بشكل كبير، حتى دون إسقاط نظامها، ما قد يؤدي إلى إعادة تشكيل توازنات التحالفات في المنطقة، وهو ما قد يضع بعض حلفائها التقليديين، ومن بينهم الجزائر، أمام تحديات دبلوماسية وسياسية جديدة، خاصة في ظل تراجع نفوذ عدد من الأنظمة الحليفة لطهران في مناطق مختلفة من العالم”.