أفاد تقرير حديث، صدر قبل ثلاثة ايام، عن المجلس الروسي للشؤون الدولية، Russian International Affairs Council أن نزاع الصحراء يشهد تحولًا في طبيعته، حيث “لم يعد يُقدَّم فقط كقضية تصفية استعمار، بل كصراع جيوسياسي بين المغرب والجزائر”.
وذكر التقرير، الذي يقع في 100 صفحة وخصص لدراسة ديناميكية الأمن بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن جبهة البوليساريو “تظل فاعلًا رئيسيًا في النزاع، غير أن دورها يرتبط بشكل وثيق بالدعم الذي تتلقاه من الجزائر، ما يجعلها جزءًا من توازنات إقليمية أوسع”.
ويذكر أن المجلس الروسي للشؤون الدولية (RIAC) هو مركز أبحاث (Think Tank) روسي تأسس سنة 2011 بمبادرة من وزارة الخارجية الروسية وبمشاركة مؤسسات أكاديمية وحكومية.

ويتولى المركز تحليل قضايا السياسة الخارجية الروسية، ودراسة العلاقات الدولية والتحولات الجيوسياسية، تقديم توصيات لصنّاع القرار في روسي.
وأوضح التقرير ذاته أن النزاع يمكن توصيفه بشكل متزايد على أنه “حرب بالوكالة” بين المغرب والجزائر، حيث يسعى كل طرف إلى تعزيز موقعه ونفوذه في المنطقة، معتبرا أن”البوليساريو” تتصرف في المقام الأول كوكيل مدعوم من الجزائر .
وفي ما يتعلق بميزان القوى، أشار التقرير إلى أن المغرب تمكن خلال السنوات الأخيرة من تعزيز مواقفه الدبلوماسية على المستوى الدولي، مستفيدًا من دعم متزايد من عدد من الدول، في حين لم تحقق جبهة البوليساريو مكاسب عسكرية أو سياسية كبيرة، رغم استئناف العمليات منخفضة الحدة منذ عام 2020.
كما يُبرز التقرير ثبات موقف المغرب، القائم على وحدة أراضيه ودمج الأقاليم الجنوبية تدريجياً في الإطار الإداري والاقتصادي للبلاد. ويشير إلى الاستثمارات التي وُظِّفت في هذه الأقاليم والاستراتيجية الدبلوماسية التي تنتهجها الرباط لتعزيز الاعتراف الدولي بسيادتها.
وأكد التقرير على الدور الحاسم للجزائر في النزاع، مشيراً إلى أن جبهة البوليساريو تعتمد اعتماداً كبيراً على الجزائر العاصمة في الدعم السياسي والاقتصادي واللوجستي. وتفيد التقارير بأن المنظمة تدير مخيمات تندوف من خلال نظام لإعادة توزيع المساعدات الدولية، وهو ما يزيد من اعتمادها على السلطات الجزائرية.
وأكد التقرير أن الوضع العسكري في المنطقة ظل محدود التأثير، حيث لم تؤد العمليات إلى تغييرات ميدانية مهمة، ما يعكس استمرار حالة الجمود.
كما أبرز أن الجزائر تلعب دورًا مركزيًا في النزاع، معتبرًا أن دعمها السياسي والعسكري لجبهة البوليساريو يشكل عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على توازن القوى الحالي.
وأشار إلى أن أي تسوية محتملة للنزاع تتطلب انخراطًا مباشرًا وتغييرًا في موقف الجزائر، في ظل استمرار تباعد مواقف الأطراف المعنية.
ويشير التقرير أيضاً إلى أن مقترح الحكم الذاتي الذي طرحته الرباط في عام 2007 لا يزال الأساس الرئيسي للخطاب الدولي حول الحل السياسي.
أخيرًا، يحدد مركز الأبحاث عدة مسارات محتملة للصراع. السيناريو الأرجح، بحسب تقييمه، هو تعزيز تدريجي للموقف الدبلوماسي المغربي، مصحوبًا بحوادث متفرقة منخفضة الحدة. كما يرسم سيناريو محتملًا يتضمن تصعيدًا إقليميًا تشارك فيه الجزائر بشكل مباشر. مع ذلك، يعتبر معدّو التقرير هذا السيناريو مستبعدًا.
وفي ما يخص المسار الأممي، أوضح التقرير أن الأمم المتحدة تواصل رعاية العملية السياسية، إلا أن المفاوضات لم تسفر حتى الآن عن نتائج ملموسة، في ظل غياب توافق بين الأطراف.
وخلص التقرير إلى أن النزاع مرشح للاستمرار على المدى المتوسط دون تحقيق اختراق سياسي كبير، مع تسجيل ميل تدريجي في ميزان القوى لصالح المغرب على المستوى الدبلوماسي، مقابل استمرار التوازن العسكري.
ويُعد Russian International Affairs Council من أبرز مراكز التفكير في روسيا لعدة أسباب: القرب من دوائر القرار، حيث يرتبط المركز بشكل غير مباشر بمؤسسات رسمية روسية. كما أن بعض أعضائه يشغلون أو شغلوا مناصب في: وزارة الخارجية، مؤسسات حكومية استراتيجية. ما يجعله قناة تأثير فكري على السياسة الخارجية الروسي، ويقدم تقارير ودراسات تُستخدم في: فهم الأزمات الدولية، وتوجيه النقاش داخل النخب السياسية الروسية.