تشهد أسعار المحروقات وعدد من المواد الأساسية، في الآونة الأخيرة موجة جديدة من الارتفاعات، تضاف إلى سلسلة زيادات متتالية بدأت منذ سنوات، في سياق دولي متأزم بفعل الحرب في إيران والتحديات الاقتصادية التي استجدت بفعل أزمة الطاقة العالمية عقب اغلاق مضيق هرمز الاسترايتجي الذي تمر منه أكثر من 20% من صادرات النفط والغاز العالميين.
وقد انعكست هذه الزيادات بشكل مباشر على أسعار المحروقات حيث شهدت زيادتين متتاليتين ناهزتا خمس دراهم في اللتر الواحد للبنزين وكذا الغازوال، ما أثر على القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة في ما يتعلق بالمواد ذات الاستهلاك اليومي.
ومع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، يرى مراقبون أن ذلك من شأنه أن يؤثر على المزاج الانتخابي للمواطن المغربي في أفق الاستحقاقات المقبلة، في ظل تنامي الشعور بعدم الرضا عن الأداء الاقتصادي والاجتماعي للتحالف الحكومي الحالي، وتراجع الثقة في قدرة الفاعلين السياسيين على تقديم حلول ملموسة تستجيب لتطلعات المواطنين.
كما يرى مراقبون أن هذه التطورات تطرح تساؤلا جوهريا حول طبيعة السلوك الانتخابي المرتقب، بين احتمال بروز تصويت عقابي يستهدف الأحزاب المشكلة للحكومة، أو اتجاه أوسع نحو العزوف عن المشاركة السياسية، في ظل ما يوصف بحالة سخط عام وتراجع في منسوب الثقة في العملية السياسية برمتها.
وفي هذا السياق، قال الدكتور رشيد لبكر، أستاذ القانون العام والعلوم السياسية بـجامعة شعيب الدكالي، إن المزاج العام للمواطنين يتجه نحو مزيد من العزوف عن المشاركة السياسية، خاصة في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، معتبرا أن هذا العزوف لا يرتبط بشكل مباشر بالزيادات الأخيرة في الأسعار، بقدر ما يعكس حالة سخط أعمق ورفضا متناميا للعمل السياسي الحزبي في صيغته الحالية.
وأوضح لبكر في تصريح لموقع “سفيركم” أن المواطن لم يعد يراهن على الأحزاب السياسية، أو يثق في قدرتها على إحداث تغيير ملموس، كما أن فقدان الثقة في الفاعلين السياسيين، وفي طرق تدبير الشأن العام أصبح سمة بارزة في المرحلة الراهنة، وهو ما قد ينعكس سلبا على نسب المشاركة الانتخابية، التي يُتوقع أن تعرف تراجعًا ملحوظًا.
وأشار المتحدث إلى أن الزيادات المتتالية في الأسعار ساهمت في تأجيج هذا السخط، لكنها ليست السبب الوحيد، بل تأتي في سياق عام يتسم بتراكم الأزمات وغياب مؤشرات قوية، على تحسن الأوضاع المعيشية، وأضاف أن المواطن، بات ينظر إلى الغلاء كظاهرة هيكلية، وليس كحالة ظرفية مرتبطة بعوامل خارجية عابرة.
وسجل الأستاذ الجامعي، أن تبرير هذه الزيادات بعوامل دولية، مثل التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط أو ارتفاع أسعار الطاقة عالميا، لم يعد كافيا لإقناع الرأي العام، خاصة وأن هذه الارتفاعات جاءت ضمن مسار طويل بدأ منذ جائحة كورونا، حيث استمرت الفاتورة الطاقية في التصاعد، وانعكست بشكل مباشر على أسعار عدد من المواد الأساسية.
كما أبرز رئيس شعبة القانون العام في كلية الحقوق الجديدة، أن هذا المسار التصاعدي المستمر، خصوصا في المواد ذات الاستهلاك اليومي كالخضر، ساهم في ترسيخ شعور عام لدى المواطنين، بأن الارتفاع أصبح هو القاعدة، بدل أن يكون حالة استثنائية، وهو ما زاد من حدة التذمر وعمق الإحساس بعدم الاستقرار الاقتصادي.
وخلص لبكر إلى أن الزيادات الأخيرة في الأسعار تبقى تحصيل حاصل ضمن هذا السياق العام، معتبرا أن الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في طبيعة هذه الزيادات، بل في تراكمها واستمرارها، وما تخلفه من تداعيات على الثقة في السياسات العمومية وعلى علاقة المواطن بالفعل السياسي.