بقلم: عمر لبشيريت
لماذا تأخرت كندا في دعم مبادرة الحكم الذاتي؟ أو بالأحرى، ما الذي يمنعها من ذلك؟
جرت العادة أن تتناغم الدبلوماسية الكندية مع المواقف الأوروبية، وبشكل خاص الأمريكية، في التعامل مع الأحداث أو التطورات أو الأزمات الدولية.
فكندا لا تحيد عن مواقف حلفائها في الحلف الأطلسي، بل كانت، في كثير من الأحيان، خصوصًا في عهد المحافظين، نسخة شبه مطابقة للسياسة الخارجية الأمريكية.
وخلال السنوات الأخيرة، لمسنا هذا التطابق في التعامل مع الأزمة الأوكرانية، والقضية الفلسطينية، والعقوبات الاقتصادية على روسيا، والرسوم الجمركية المفروضة على السيارات الكهربائية الصينية.
المغرب وكندا يرتبطان بعلاقات دبلوماسية تمتد لـ63 عامًا، لم تشهد أزمات ولا خصومات، بل اتسمت بالانسجام وتقارب المواقف تجاه القضايا الدولية. لذلك، لا يوجد في هذه العلاقات ما يمنع أوتاوا من السير على نهج العواصم الغربية الكبرى: واشنطن، لندن، باريس، برلين، مدريد، روما، طوكيو، ولشبونة.
اقتصاديًا، يُعتبر المغرب رابع أكبر شريك تجاري لكندا في إفريقيا، حيث بلغت قيمة المبادلات التجارية 1,14 مليار دولار، وصدّر المغرب إلى كندا سنة 2023 ما قيمته 279 مليون دولار. ومن المرتقب أن يرتفع هذا الرقم بعد التوقيع على اتفاقية التبادل الحر، التي طال أمد التفاوض بشأنها بسبب انشغال المغرب بملفات تجارية كبرى مع الاتحاد الأوروبي وأمريكا وإفريقيا.
كما تساهم كندا في تمويل عدة مشاريع تنموية بالمغرب من خلال صندوق كندا للمبادرات المحلية، مركزة على مجالات البيئة، ودعم نساء العالم القروي، والتعليم.
في المجمل، هي علاقات هادئة ومستقرة ومفتوحة على آفاق واسعة، خالية من التوترات، مع منح المغرب وضعًا امتيازيًا في مجال التأشيرات وتجديدها مقارنة بباقي الدول العربية والإفريقية. ويضاف إلى ذلك الانفتاح الكبير الذي توليه كندا للطلبة والكفاءات المغربية.
ورغم أن الهجرة المغربية إلى كندا حديثة نسبيا، إلا أنها أصبحت وازنة ذات حضور ثقافي وسياسي واجتماعي لافت، مقارنة مع باقي الجاليات العربية والإفريقية. فباستثناء اللبنانيين، يُعدّ الحضور المغربي الأكثر بروزًا، ويتميّز المغرب كونه البلد العربي والإفريقي الوحيد الذي يمتلك مركزًا ثقافيًا (“دار المغرب”) في كندا.
أما على المستوى السياسي، فقد نجح مغاربة كندا في اقتحام المجالس المحلية والبرلمانات الإقليمية وحتى البرلمان الفدرالي، ليصبحوا نموذجًا يحتذى به. وفي المناسبات الوطنية، يحرص ممثلو مختلف التيارات السياسية الكندية، يمينًا ويسارًا، على المشاركة. بل إن العمدة السابق لمدينة مونتريال ووزير الهجرة السابق، دوني كودير ( يطلق هلى نفسه لقب عبد القادر ) أعلن من منصة احتفال بعيد العرش أنه يعتبر الصحراء مغربية ويدعم سيادة المغرب عليها.
ويضاف إلى هذا الحضور البارز للجالية المغربية، ثقل المكون المغربي اليهودي الذي يتمتع بنفوذ اقتصادي معتبر، وبرز منه وزراء وبرلمانيون وأكاديميون وفنانون، فضلًا عن تنظيم مهرجانات ثقافية سنوية بطابع مغربي واضح.
فما الذي ينقص إذن لاستثمار كل هذه الأوراق سياسيًا لصالح القضية الوطنية؟
إلى اليوم، تلتزم كندا بموقفها الدبلوماسي التقليدي، الداعم للحل التفاوضي وجهود الأمم المتحدة. وهو موقف، وإن لم يكن معاديًا للمغرب، لا يعترف بالجمهورية الوهمية، ولا يسمح بتمثيلية “البوليساريو” فوق أراضيها، ولا يفتح المجال لأنشطة مناوئة، إلا أنه يظل موقفًا جامدًا قابلًا للتطور إذا ما أُحسن استثمار عناصر القوة السابقة.
صحيح أن المغرب لا يتوفر على لوبي ضاغط في كندا كما هو الحال في فرنسا أو أمريكا، لكنه يمتلك جميع المقومات لصناعة مثل هذا اللوبي، بتحويل عناصر القوة الكامنة إلى قوة إسناد مؤثرة داخل دوائر القرار في أوتاوا.
غير أن الغائب الأكبر عن هذه المعادلة هو الدبلوماسية المغربية نفسها. فمنذ تعيينه، لم يقم وزير الخارجية ناصر بوريطة بزيارة إلى كندا، كما لم تستقبل أوتاوا وفودًا سياسية أو برلمانية مغربية. في المقابل، كانت كندا هي المبادِرة إلى إرسال مسؤوليها: فقد زار وزير خارجيتها الأسبق فرانسوا فيليب شامبان الرباط عام 2020، كما قامت الحاكمة العامة لكندا بزيارة المغرب سنة 2006، وزار رئيس مجلس الشيوخ الكندي، جورج فوري، الرباط في أبريل 2024 في إطار تعاون برلماني. كما شارك برلمانيون كنديون في دورة للفرنكوفونية البرلمانية في المغرب في مارس من نفس العام. أما اللقاء الوحيد بين بوريطة ونظرائه الكنديين فكان افتراضيًا عام 2022.
هذا “العقم الدبلوماسي” لا يشجع على تطوير العلاقات ولا على التعريف أكثر بالقضية الوطنية، ولا يسمح باستثمار عناصر القوة المتوفرة.
إننا نتوفر على أوراق رابحة وناضجة، وأخرى واعدة، ينقصها فقط تحريك ملف اتفاقية التبادل الحر لتقوية المصالح المشتركة، وتحرك دبلوماسي فعّال يستثمر المؤهلات الكامنة، لدفع كندا إلى الالتحاق بمواقف حلفائها الغربيين في دعم مبادرة الحكم الذاتي.