خديجة براضي: الدولة تحول الاحتجاجات إلى آلية لإدارة التوتر وتعتمد على “استراتيجية الإنهاك”

marocain
7 Min Read

حاورها حمزة غطوس

في إطار تقييم حصيلة التحولات الاجتماعية التي وسمة سنة 2025، أجرت “سفيركم” حوارا مع خديجة براضي، أستاذة علم الاجتماع، لتقديم قراءتها لما شهده المجتمع المغربي من ديناميات اجتماعية واحتجاجية، محاولة تفكيك العوامل البنيوية والقيمية التي غذت هذه التحركات، في حوار يقدم قراءة سوسيولوجية، تضع ما جرى من أحداث خلال هذه السنة في إطار سيرورات طويلة المدى، تلامس قضايا الشباب، والطبقة الوسطى، وأدوار الدولة، وآفاق التعاقد الاجتماعي في المرحلة المقبلة.

كيف تقيمون ملامح التحول الاجتماعي الذي عرفه المجتمع المغربي خلال سنة 2025، وما العوامل التي غذت هذه التحولات؟

يعد الجزم بحدوث تحول اجتماعي خلال دورة زمنية مدتها سنة واحدة مجازفة معرفية تفتقر للدقة؛ فالتغيير البنيوي ليس مجرد تبدل عابر، بل هو عملية “هندسة بنيوية” عميقة تعيد صياغة التمثلات والقيم والبنى المتجذرة، وهي سيرورة تتطلب الزمن الطويل لتنضج. لذا، فإن ما تم رصده في سنة 2025 لا يمثل تحولا، بل هو ديناميكيات قيد التشكل وشرارات لأنماط صاعدة، يحتاج الحكم على رسوخها مراقبة مدى صمودها وقبولها لدى الأغلبية المجتمعية عبر اختبار الزمن.

بالنسبة للسياق المغربي، تصدرت المشهد أزمة النزوح المناخي، حيث أدى الإجهاد المائي إلى تسريع هجرة الشباب من المجال القروي نحو المدن الكبرى، مما عمق ظاهرة التمدن القسري وضاعف الضغط السوسيواقتصادي على الخدمات الأساسية. وقد تزامن هذا الحراك الجغرافي مع اتساع الفجوة المعيشية؛ حيث استمر التضخم في تآكل القدرة الشرائية، مما خلق حالة من التمايز الطبقي الحاد ووضع مؤشر ثقة الأسر في مواجهة مباشرة مع إكراهات الواقع المادي، رغم سياسات الاحتواء المعتمدة.

على المستوى القيمي، مثلت مراجعة “مدونة الأسرة” لحظة نضج ديمقراطي بامتياز، حيث أفرزت استقطابا فكريا مهما يعكس حيوية المجتمع وقدرته على تدبير صراعاته القيمية عبر قنوات الحوار لا الصدام. وبالموازاة مع هذا التحديث الحقوقي، برز توجه نحو العدالة الأجرية من خلال توحيد الحد الأدنى للأجور بين القطاعين الفلاحي والصناعي، كخطوة رمزية ومادية لتقليص الفوارق. غير أن هذه السنة، كشفت أيضا أن النفس الإصلاحي في بعض المحطات يصطدم بجدار التفاوت المجالي البنيوي؛ خاصة المناطق الجبلية كشاهدة على صمود الهشاشة، وهذا يبرز على أن ثمار الإصلاح لا تزال تواجه عوائق جغرافية ومؤسساتية تمنع وصولها بنفس الوتيرة إلى كافة المجالات الترابية.

ما دور الفئات الشابة والطبقات الوسطى في الحركات الاحتجاجية والاجتماعية لسنة 2025 (سواء الاحتجاجات الفئوية من طلبة وأطر صحية وغيرها والاجتماعية مثل مسيرة آيت بوگماز وجيل زد)، وهل نشهد تحولا في مواقع الفاعلين الاجتماعيين التقليديين؟

شهد الفضاء العمومي المغربي خلال سنة 2025 مخاضا أعاد رسم خارطة التدافع الاجتماعي، حيث تم الانتقال من الاحتجاج المهيكل إلى ما يمكن تسميته بالاحتجاج الشبكي السائل. ورغم أن الكتلة الحيوية للاحتجاج ظلت وفية لتركيبتها من الشباب والطبقة الوسطى، إلا أن المتغير الجوهري يكمن في “أفول الوساطة الكلاسيكية”؛ إذ تراجعت الجاذبية المؤسساتية للأحزاب والنقابات، التي باتت تُمثّل في المتخيل الجمعي الجديد أدوات للضبط البيروقراطي أكثر منها قنوات للتعبير المطلبي، مما أنتج قطيعة إبستيمية وعملية مع آليات النضال التقليدية.

وفي ظل هذا الفراغ في الوساطة، برزت التنسيقيات كفاعل اجتماعي مهيمن، مستمدة شرعيتها من بنية أفقية تقطع مع التراتبية الزعاماتية، وتعتمد مرونة تفاوضية تتحلل من إكراهات المساومة السياسية أو الحسابات الانتخابية. هذا الصعود النوعي دفع بالدولة نحو طرح قانون الإضراب الجديد؛ وهو تشريع يعزز استعادة السيطرة على الفضاء العمومي من طرف الدولة.

إن جوهر الصراع الاجتماعي في 2025 يتجسد في الصدام بين منطقين: منطق الدولة الساعي للمأسسة، ومنطق جيل جديد يتبنى “بروفايلا” تقنيا وحقوقيا . نحن أمام فاعلين لا يكتفون بالمطالبة بالحقوق، بل يعيدون تعريفها كأولويات وطنية (صحة، تعليم…إلخ) غير قابلة للتفاوض أو التأجيل. إن هذه التحولات تؤشر على أن المغرب قد دخل مرحلة “الما بعد وساطة”، حيث أصبحت الدولة مطالبة بابتكار نماذج حوارية تتجاوز القنوات التقليدية التي استنفدت وظيفتها التاريخية، لتستوعب ديناميات فضاء عمومي افتراضي وواقعي يتسم بالسيولة والتحلل من الانضباط التنظيمي القديم.

كيف تقرؤون تفاعل السلطات العمومية مع الاحتجاجات الاجتماعية، وهل طرأ تغيير في آليات التدبير أو الاستجابة للمطالب؟

تتبنى الدولة في تعاطيها مع الحراكات المطلبية استراتيجية الإنهاك، وهي مقاربة براغماتية تهدف إلى استنزاف النفس الاحتجاجي للفاعلين عبر المزاوجة بين الاحتواء والضبط. الغاية هنا ليست القطيعة النهائية مع الاحتجاج، بل تحويله إلى آلية وظيفية لإدارة التوتر، فافاعل المدبر يدرك أن الحركات ذات المطالب السوسيو-اقتصادية تمتلك “قابلية للتفاوض”، مما يسمح باستيعاب زخمها من خلال تنازلات تقنية أو إصلاحات جزئية تعمل كصمامات أمان لتصريف الاحتقان، دون الانزلاق نحو تحولات هيكلية تمس جوهر التوازنات.

أما بالنظر إلى آليات التدبير، فإن القراءة الطولية للمسار التاريخي للاحتجاجات تكشف عن ثبات الميكانيزمات رغم تغير السياقات؛ إذ لا تزال العلاقة بين الدولة والشارع تخضع لهندسة توازن دقيقة. هذه الهندسة تجعل من المؤسسات والوسطاء مجرد واجهة تنظيمية لامتصاص الصدمات، ويمنح الدولة صفة الصلابة المرنة التي تنجح في تدبير المطالب بضوابط تضمن استمرارية الاستقرار مع الحفاظ على انطباع التجاوب المؤسساتي المستمر.

في ضوء كل هذه المؤشرات، كيف يمكن اختزال الحصيلة الاجتماعية لسنة 2025، وما السيناريوهات الاجتماعية الممكنة للمرحلة المقبلة؟

تتبدى الحصيلة الاجتماعية لسنة 2025 كحالة نموذجية لمفارقة التحديث حيث ولّد التقدم الهيكلي للدولة “فجوة توقعات حادة أدت إلى بروز أنماط جديدة من المقاومة الاجتماعية. ويتجلى ذلك بوضوح في إحباطات “الجيل الرقمي” (Gen Z) الذي يعاني من “الاغتراب السوسيواقتصادي”، كونه يقع خارج شبكات الأمان الاجتماعي التقليدية، بينما يواجه ضغوطا بنيوية أخرى.

كما شهد هذا العام تغيرا في بنية الفعل الاحتجاجي، تمثل في اضمحالال أشكال الوساطة الكلاسيكية، وبروز الفعل الشبكي بشكل أكبر، وتنسيقيات صغرى، كبدائل مرنة تتجاوز الأطر المؤسساتية. و لم يعد “العطش” في مناطق الهامش مجرد ندرة مادية، بل تحول إلى “هوية احتجاجية” ومحرك للفعل الجماعي.

بالنسبة للسيناريوهات المحتملة؛ قد يواجه المغرب سيناريو مدى قدرته على تحقيق الإدماج الاجتماعي؛ إما بالانتقال نحو “تعاقد سوسيو-سياسي” جديد يرتكز على العدالة الاجتماعية ورد الاعتبار للمرفق العمومي كأداة للترقي الاجتماعي، أو السقوط في تدبير الأزمات بالمسكنات التقنية.

إن التحدي الحقيقي المستقبلي يرتبط بمدى قدرة السياسات العمومية على توليد “رفاه ملموس” يحمي الطبقات الاجتماعية من التفكك ويعيد بناء الثقة في المؤسسات.

Share This Article