دعا وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، المسلمين إلى تصحيح تدينهم على أساس التوحيد المحرر من الأنانية، معتبرا أن الأنانية “بؤرة الحروب” ووقود النزاعات على مختلف المستويات، مؤكدا أن بناء السلم يبدأ من إصلاح النفس قبل معالجة الخلفيات السياسية والميدانية للصراعات.
وأوضح التوفيق في كلمته خلال الجلسة الافتتاحية للملتقى الدولي السادس للمؤتمر الإفريقي لتعزيز السلم، أن معيار التقدم في الإسلام هو الأخلاق والسلم داخل نفوس الأفراد والجماعات قبل أن يكون خارجها، مؤكدا أن خلفيات الحروب، متجذرة في نفس الإنسان، كما أن خلفيات السلم متوقفة على تحكمه في نفسه.
وأشار إلى أن الطرح يتجاوز التشخيص السياسي للنزاعات نحو توجه دعائي يتوسل إلى الله بإعادة بناء الأمل وتعزيز السلم، مع تحديد مسؤولية المسلمين في هذا المسار، حيث استحضر حق إفريقيا على المسلمين، من خلال التذكير بأن الهجرة الأولى في الإسلام كانت إلى الحبشة، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف ملكها النجاشي بأنه “لا يظلم عنده أحد”، فضلا عن استحضار قصة بلال بن رباح الحبشي باعتبارها رمزاً للتحرر.
واعتبر أن الأذان في الإسلام شعار للتحرر من الأنانية، بما يتضمنه من تكرار لفظ “أكبر” بما يعني الالتزام بالعبودية لله ونفي الطغيان، مضيفا أن التخلي عن الطغيان هو المدخل الرئيس للسلم بالنسبة للبشرية جمعاء، حيث ذكر بأن أول دعوة الإسلام كانت “قولوا لا إله إلا الله تفلحوا”، رابطا “الفلاح” بالنجاح والسعادة بالحياة الطيبة.
وفي سياق متصل، دعا التوفيق حكماء المسلمين من علماء ودعاة ومربين إلى تصحيح مفاهيم الدين بما يناسب المصطلح الرائج في ثقافة اليوم، من قبيل شرح “الشح” بالأنانية، و”الفلاح” بالنجاح، و”الحرية” باعتبارها تحررا من الهوى قبل أن تكون حرية إزاء الآخر، منبها إلى ضرورة التمييز بين الدين الكامل وتدين الأفراد والجماعات، مستحضرا في الوقت ذاته ما تكشفه الإحصائيات من أوجه النقص والخلل.
وأكد التوفيق على أهمية حماية الثوابت العقدية والمذهبية التي بناها الأجداد في إطار اجتهادات أهل السنة، داعيا العلماء إلى دحض دعاوى الإرهاب، ومذكرا بندوة نظمها علماء المغرب سنة 2007 ناقشوا خلالها إحدى عشرة مقولة من مقولات الإرهاب وبينوا عدم استنادها إلى صحيح الشرع والسنة.
كما توجه التوفيق بالدعوة إلى شيوخ الطرق الصوفية وأتباعها في إفريقيا لإحياء أصل سلوكهم في التزكية، معتبرا أن السلم نمط عيش فردي وأسري وجماعي ودولي يسنده تصور معتقد يتعلق بمعنى الحياة، ولا يوفره إلا الإيمان المقترن بالعمل الصالح، استنادا إلى قوله تعالى: “من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة”.
وفي عرضه لمشروع “تسديد التبليغ” الذي يقوده علماء المغرب، أوضح التوفيق أن المستجد اليوم هو دخول العالم عصر الإحصاء ورصد نسب الصلاح والفساد في مجالات التعليم والصحة والوئام الأسري والأمن وغيرها، مقابل تأكيد الإسلام على أن معيار التقدم هو الأخلاق والسلم الداخلي. ومن هذا المنطلق، طرح المجلس العلمي الأعلى إشكالية التبليغ كموضوع ومنهج وبرنامج عمل لمعالجة الهوة بين القيم والسلوك.
وأشار إلى أن المجلس يضع خطب الجمعة على موقعه الإلكتروني كل يوم أربعاء منذ عام ونصف، ليعتمدها الخطباء، موضحا أن أكثر من 97 في المائة من الخطباء، البالغ عددهم نحو 27 ألفا، يأخذون بها اليوم، ثلثاهم في مساجد القرى.
وقد تناولت هذه الخطب شرح الإيمان باعتباره توحيدا محررا من الأنانية، والعمل الصالح من خلال أولويات عملية، منها تجنب الكذب، والتحلي بالعدل، وتجنب الكبر، وطلب العلم، والالتزام بالثوابت، وأكل الحلال، والمعاشرة بالمعروف، وتربية الأبناء على المسؤولية، والوفاء بالعقود، وأداء الحقوق، واحترام القوانين، والاعتدال، وتجنب الإسراف، والإنفاق، والمشاركة في الشأن العام بروح التواصي بالحق والصبر.
وشدد الوزير على أن “تسديد التبليغ” ممارسة ميدانية لا تقتصر على الخطاب في المساجد والإعلام، بل تنطلق من المساجد لتشمل مختلف مرافق المجتمع بإشراك الأئمة والمرشدين والمرشدات، وبتأطير من علماء المجالس العلمية المحلية، بهدف بناء نموذج أمة على أساس الأخلاق يفضي إلى تخفيض تكاليف الحياة المادية والمعنوية.