في ظل النقاشات المستمرة حول مستقبل اليسار المغربي وإمكانية بناء تحالف يضم القوى التقدمية، تزامنا مع الدعوة التي وجهها محمد نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، إلى حزبي فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد للعمل على بناء تحالف يهدف إلى توحيد الصفوف وتقريب الرؤى حول برامج مشتركة ترتكز على الحداثة وحقوق الإنسان والدولة الاجتماعية، أجرت “سفيركم” حوارا مع عادل البوعمري، عضو المجلس الوطني لفيدرالية اليسار الديمقراطي، للحديث عن الصعوبات التي تواجه توحيد اليسار، وطبيعة العلاقة مع حزب التقدم والاشتراكية، حيث قدم رؤيته حول المعيقات الفكرية والتنظيمية التي جعلت من هذا المشروع السياسي بعيدا عن التنزيل.
– هل يمكن أن نشهد تحالفا بين القوى التقدمية اليسارية بالمغرب؟ وماهي أبرز المعيقات التي تحول دون ذلك؟
أولا، في اعتقادي القوى التقدمية واليسارية بالمغرب، لا يمكن أن تقوم لها قائمة إلا بتحالفها المبدئي على أرض الواقع، بناء على أرضية واضحة الأهداف والمعالم. لكن في الحقيقة يجب أن نعرف بداية من هي هذه القوى اليسارية والتقدمية، وأن نقوم بتحديدها، لأن الأمور اختلطت إلى درجة أننا لم نعد نستطيع تحديد ما هو اليسار وأين هو اليسار وما معنى اليسار. المسألة أصبحت مجرد كلام، فكل معارض أصبح ينعت بأنه يساري، وهذا غير صحيح.
النظام نجح عبر عقود في خلط الأوراق حتى لم يعد هناك تمييز واضح بين يسار ويمين ووسط. وعندما تختلط التوجهات، تدخل الانتهازية، ويصبح المواطن يرى السياسة باعتبارها مجالا للمكتسبات الذاتية فقط. ووسط هذه المعمعة، أصبح كل نقد يعتبر تشويشا، وكل تحليل يعد تنقيصا، وكل موقف يتهم بالمزايدة. ونتيجة لذلك وقع تراجع فكري ونظري، وتيه سياسي نعيشه اليوم.
لهذا أطرح السؤال بوضوح: هل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية يسار؟ هل حزب التقدم والاشتراكية يسار؟ بل حتى الحزب الاشتراكي الموحد هل هو يسار؟ يجب أن نجيب عن هذه الأسئلة بجرأة، وأن نحسم في تعريفاتنا، حتى نحدد مع من يمكن أن نتحالف ومع من لا يمكن، وإلا سنبقى في حلقة مفرغة.
كما أن انعكاس هذا الخلط يظهر في الحكومات المتعاقبة، حيث نجد يمينا ووسطا ويسارا داخل حكومة واحدة، ثم في النهاية يقال إنها حكومة جلالة الملك. وعندما يتم انتقادها، يفهم الأمر وكأنه انتقاد للمؤسسة الملكية، وهذا كلام غير معقول ولا ينسجم مع منطق العمل السياسي.
– حزب فيدرالية اليسار يتبنى مبدأ وحدة اليسار. انطلاقا من موقعك، ماهي أسباب عدم قبول الدعوة التي وجهها حزب التقدم والاشتراكية؟
فيدرالية اليسار الديمقراطي هي نتيجة موضوعية لمسار وحدوي. ورغم الانتقادات التي يمكن أن توجه لها من الخارج أو من الداخل، فإنها تظل محطة ضمن مسلسل طويل نسعى من خلاله إلى تأسيس حزب اشتراكي كبير، وهذا منصوص عليه في أوراقنا.
كان من الأسلم، في تقديري، أن يبحث حزب التقدم والاشتراكية فعلا عن الوحدة عبر حل تنظيمه والانخراط في مسلسل توحيد قوى اليسار المغربي، كما فعلت مكونات أخرى في تجارب سابقة. لكن ما طرحه الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، في تقديري، لا يرقى إلى تحالف استراتيجي، بل يظل أقرب إلى تحالف انتخابي ظرفي.
السؤال المطروح هو: هل نحن أمام تحالف انتخابي فقط، أم تحالف استراتيجي مبني على وضوح فكري وتنظيمي؟ لا أعتقد أن حزب التقدم والاشتراكية مستعد لتحالف استراتيجي من هذا النوع. لذلك أرى أن الدعوة، بصيغتها المطروحة، لم تكن منسجمة مع تصورنا لمسار الوحدة.
إضافة إلى ذلك، هناك إشكال أعمق يتعلق بطبيعة النظام السياسي، إذ لا توجد حكومة حقيقية تنزل المشروع المجتمعي للحزب الفائز. حتى لو حصل حزب ما على الأغلبية، لا يستطيع تشكيل الحكومة بحرية كاملة. لذلك نطرح مسألة الملكية البرلمانية، ونعتبر أنها لا تعطى بل تنتزع بالنضال السياسي، وإلا سنبقى في نفس المسار دون أفق واضح.
– هل هناك التفاف داخل القواعد، على قرار قيادة الحزب والمبررات التي طرحها الأمين العام للحزب حول ضرورة بناء تحالف تام يمتد إلى ما بعد الانتخابات؟
في تقديري، لا يوجد التفاف حقيقي داخل القواعد حول إمكانية التحالف مع التقدم والاشتراكية، لأن الأمين العام لـ PPS كان دائما واضحا في تصوره للتحالفات، وهو تصور يقوم على حسابات انتخابية مرتبطة بنسبة الأصوات وبشكل انتهازي مصلحي، بمعنى البحث عن التحالف مع الأقوى لضمان الحضور داخل المؤسسات، وهو مالم يكن عليه أن يطرحه من الأساس، فهي في اعتقادي مجرد مزايدات من طرف بنعبد الله، لأنه يدرك أن الفيدرالية لا يمكن أن تسايره في هذا الطرح، وأنها لا تلتقي مع حزبه، سواء في تصوره للانتخابات أو بشكل استراتيجي.
كما أن هذا المنطق، في رأيي، لا يؤدي إلى تنزيل البرامج، لأن الإشكال ليس في عدد المقاعد فقط، بل في طبيعة السلطة التنفيذية وإمكانية تطبيق المشروع السياسي. وبالتالي، طرح تحالف يمتد إلى ما بعد الانتخابات دون حسم المرجعيات والبرامج يظل غير ذي جدوى حقيقية.
وأيضا، فإن حزب التقدم والاشتراكية شارك في جل الحكومات المتعاقبة خلال السنوات الأخيرة دون أن يحقق تحولا ملموسا. فقبل المطالبة بتعديلات دستورية أو رفع شعارات كبرى، يجب أن تكون هناك محاسبة سياسية واضحة لما تم إنجازه وما لم يتم إنجازه، ليس فقط لرئيس الحكومة، بل للحكومة ككل.
– ما ردكم على تصريح محمد نبيل بنعبد الله وتشبثه بالدعوة إلى التحالف من أجل العمل على تصدر الانتخابات والعمل المشترك من موقع المسؤولية، من أجل بلورة التوجهات المشتركة المرتكزة على الحداثة وحقوق الإنسان والتنزيل الصحيح لأسس الدولة الاجتماعية؟
أولا، أرى أن الحديث عن تصدر الانتخابات والعمل المشترك من موقع المسؤولية يظل مرتبطا بسؤال القدرة الفعلية على تنزيل البرامج. إذا لم تكن هناك إمكانية حقيقية لتطبيق المشروع السياسي، فإن التحالف يصبح مجرد وسيلة للتموقع.
ثانيا، فيما يتعلق بالحداثة وحقوق الإنسان والدولة الاجتماعية، هذه مفاهيم كبيرة ومهمة، لكن الإشكال هو أن الجميع يرفعها اليوم كشعارات، بما في ذلك أحزاب ليبرالية أو محافظة. لذلك أعود إلى نقطة البداية: يجب تحديد المفاهيم بدقة ومسؤولية. ماذا نقصد بالدولة الاجتماعية؟ وما هي آليات تنزيلها؟ وما هو مضمون الحداثة في السياق المغربي؟
في تقديري، حزب التقدم والاشتراكية بعيد عن هذه المرجعيات بالشكل الذي يسوق له، والدعوة إلى التحالف على أساسها دون وضوح فكري وتنظيمي تبقى غير كافية. المطلوب أولا هو حسم الهوية اليسارية وتحديد الأرضية المشتركة بجرأة، ثم بعد ذلك يمكن الحديث عن أي تحالف ممكن.