اتهم تيار اليسار الجديد المتجدد (المنتمي إلى الحزب الاشتراكي الموحد)، بتفويت القيادة الحالية للحزب فرصة تاريخية لإعادة البناء، مرجعا ذلك إلى ما وصفه بـ”سيادة منطق تحكمي بيروقراطي تحريفي”، ساهم في إبعاد التنظيم عن الجماهير والديناميات الشعبية، وذلك خلال تقديم أرضيته الفكرية والسياسية في ندوة صحفية، اليوم الاثنين.
وأكدت أرضية التيار، أن المرحلة الراهنة تفرض إعادة بناء يسار متجدد، دينامي وغير دوغمائي، قادر على التفاعل مع التحولات المحلية والعالمية، والانخراط في النضالات المجتمعية الحية، معتبرة أن الممارسة النضالية لا يمكن أن تكون فعالة إلا ضمن ديناميات اجتماعية متحركة ومترابطة على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية.
وشدد التيار الذي يقوده العلمي الحروني، على أن المرحلة الحالية تمثل “منعطفا تاريخيا” يفرض على اليسار المغربي استعادة دوره عبر التجديد الفكري والتنظيمي، والانخراط الفعلي في الحراك الشعبي، بدل الارتهان لما وصفه بـ”الطمأنينة الحزبية المغشوشة” أو السقوط في الشعبوية.
وفي تقييمه للوضع الدولي، سجل التيار تحولات عميقة خلال السنوات الأخيرة، أبرزها انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان، وصعود الصين، وتصاعد الصراع بين روسيا وحلف شمال الأطلسي، خاصة في أوكرانيا، إلى جانب امتدادات التوتر في إفريقيا وآسيا وأوروبا، والحرب في غزة، معتبرا أن هذه التحولات تعكس بحث العالم عن توازن جديد في ظل تناقضات متزايدة.
وربطت الأرضية هذه التحولات ببروز ما وصفته بـ”اشتراكية القرن 21″، التي تتجسد في الحراك الشعبي العالمي المناهض للإمبريالية والنيوليبرالية، مشيرة إلى أن هذا الحراك أصبح يحمل بعدا كوكبيا وبرنامجا مطلبيا مشتركا قائما على الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية.
وعلى المستوى الوطني، اعتبر التيار أن المغرب يعيش استمرارية لنضالات شعبية متواصلة منذ الاستقلال، مرورا بانتفاضة 23 مارس 1965، وحركة 20 فبراير، وحراك الريف، وصولا إلى الاحتجاجات القطاعية وصولا لـ”حراك شباب جيل زد”، منتقدا ما وصفه بتوظيف الجماهير كـ”كومبارس” من قبل التنظيمات، وانتشار الشعبوية والتنكر لبعض الحراكات.
كما أشار إلى أن التحولات الاجتماعية الراهنة تفرض تجديد المفاهيم اليسارية، خاصة مفهوم الطبقة العاملة، في ظل بروز أشكال جديدة للعمل المتشظي واللامادي، داعيا إلى الانتقال نحو مفاهيم أكثر انفتاحا مثل “الحشد”، بدل الاختزال في الصراع التقليدي بين البرجوازية والبروليتاريا.ودعا التيار إلى خوض صراع فكري مع الأيديولوجيا النيوليبرالية، التي اعتبر أنها تروج لأوهام إعلامية وتكرس الهيمنة الاقتصادية، مشددا على ضرورة تطوير أطروحات يسارية نقدية مستقلة مرتبطة بالواقع الملموس، وقادرة على الدفاع عن الإنسان والطبيعة.
وفي ما يتعلق بالتنظيم، اقترحت الأرضية إعادة بناء الأداة الحزبية على أساس ديمقراطي تشاركي، يكرس النقاش الداخلي ويحول الاختلاف إلى قوة دينامية، بدل الإبقاء على الصراعات مكتومة، مع الدعوة إلى تجاوز الجمود التنظيمي واستعادة الفعل السياسي المرتبط بالمجتمع.
كما خصصت الوثيقة محورا للهوية، دعت فيه إلى رد الاعتبار للهوية الأمازيغية في إطار ثقافة وطنية منفتحة ومتعددة، ومحورا آخر للمسألة الدينية، قدمت فيه قراءة يسارية تعتبر الدين مجالا للقيم والتعبئة، مع التأكيد على ضرورة الفصل بين الدين والسياسة، والدفاع عن العلمانية كمدخل لتجاوز ازدواجية الدولة.
وتطرقت الأرضية إلى التحولات العالمية المرتبطة بالديون الخارجية وهيمنة المؤسسات المالية الدولية، معتبرة أنها تكرس تبعية الدول، إلى جانب اعتماد ما وصفته القوى النيوليبرالية بأساليب جديدة مثل “الفوضى الخلاقة” والبروباغاندا الرقمية لمواجهة الحركات الشعبية.
وأكد التيار أن وثيقته، التي صيغت عبر مسار تشاركي شمل أكثر من ثلاثين ندوة داخلية، تقدم رؤية فكرية وسياسية متكاملة داخل الحزب، تشمل سبعة محاور رئيسية، تتعلق بالوضع الدولي، والأوضاع الوطنية، والبرنامج الحزبي، والتحالفات، والتنظيم، وقضايا الهوية والثقافة، والمسألة الدينية.