تتجه الأنظار نحو العاصمة الفرنسية باريس، التي تستعد لاستقبال الملك محمد السادس في زيارة دولة رسمية مرتقبة خريف عام 2026. وتأتي هذه الزيارة، وهي الأولى من نوعها منذ عام 2012. كما تأتي أيضا لتتوج مساراً من إعادة بناء الثقة. وتؤسس لمرحلة مفصلية في تاريخ العلاقات المغربية الفرنسية.
إطار قانوني جديد للتعاون
وبالتوازي مع الترتيبات البروتوكولية، انطلق منذ ربيع هذا العام عمل ديبلوماسي مكثف لصياغة مشروع معاهدة مغربية فرنسية ثنائية شاملة. ويشرف على هذا المشروع الطموح لجنة مشتركة تضم 11 عضواً، تهدف إلى نقل الشراكة من مجرد “إعلان نوايا” إلى إطار قانوني ملزم يحدد التزامات وتوازنات دقيقة بين الطرفين، بناءً على “الشراكة الاستثنائية المعززة” التي تم إقرارها في أكتوبر 2024.
المغرب في قلب التحولات الجيوسياسية
وفي سياق متصل، يرى مراقبون أن هذه معاهدة فرنسية مغربية جديدة ليست مجرد نص ديبلوماسي تقليدي. بل هي اعتراف بالتحولات العميقة التي شهدها المغرب. فالمملكة لم تعد تحصر نفسها في القرب الجغرافي من أوروبا. بل أصبحت تتحرك وفق استراتيجية تنويع دولية تشمل الانفتاح الأطلسي، والعمق الأفريقي، وتعزيز القدرات الاقتصادية المستقلة. وهو ما يفرض على باريس إعادة قراءة علاقتها بالرباط بعيداً عن الأطر الموروثة.
من العاطفة إلى الواقعية السياسية
وبالإضافة إلى ذلك، يعكس النقاش الدائر حول المصطلحات المستخدمة في المعاهدة رغبة مغربية في تكريس “الندية”. فبينما تحاول بعض الدوائر تصنيف المغرب كدولة من “الجنوب العالمي”، يصر التوجه المغربي على الاعتراف بخصوصية المملكة كشريك استراتيجي فريد. ومن جهة أخرى، تسعى فرنسا للتكيف مع هذا الواقع الجديد، مدركة أن الروابط الإنسانية والاقتصادية لم تعد كافية لضمان الاستقرار التلقائي للعلاقات دون تفاهمات سياسية صريحة.
اختبار حقيقي لمستقبل الشراكة
بناءً عليه، تُعد هذه المعاهدة بمثابة اختبار لقدرة الدولتين على صياغة مستقبل مشترك لا يقوم على إرث الماضي فحسب، بل على المصالح المشتركة في ملفات الأمن، الهجرة، والتعاون في القارة الأفريقية. ومن المتوقع أن تدشن زيارة الملك محمد السادس حقبة “الوضوح السياسي”، حيث تصبح العلاقة أكثر سيادية وأقل اعتماداً على الصيغ الضمنية القديمة.