تعيش الأوساط السياسية والأكاديمية في إسبانيا حالة من التوجس المتزايد، عقب صدور تحليلات استراتيجية تربط بين عودة دونالد ترامب المحتملة وتغير موازين القوى في مضيق جبل طارق. وتتصاعد المخاوف في مدريد من سيناريو يمنح فيه البيت الأبيض دعماً صريحاً لفرض السيادة المغربية على سبتة ومليلية. قياساً على منطق “الواقعية الجغرافية” الذي يتبناه الرئيس الأمريكي.
“ألمورايما”: هل تتكرر تجربة غرينلاند في الشمال المغربي؟
وفي عددها الأخير (الرقم 64)، نشرت مجلة “ألمورايما” الصادرة عن معهد دراسات “معهد دراسات مجال جبل طارق“، افتتاحية مثيرة بعنوان “غرينلاند في المضيق”. العرض الذي قدمه مدير المجلة، أنخيل سيز رودريغيز، عقد مقارنة مباشرة بين رغبة ترامب السابقة في الاستحواذ على جزيرة غرينلاند. وبين ملف الثغور المغربية المحتلة.
وتشير القراءة الإسبانية إلى أن المنطق الذي استخدمه ترامب للمطالبة بغرينلاند، والمستند إلى القرب الجغرافي، هو نفسه الذي يدعم الأطروحة المغربية بشأن سبتة ومليلية والجزر الجعفرية وحتى جزر الكناري. هذا التحليل يضع السيادة الإسبانية في مواجهة “نظام دولي جديد”. قد لا يعترف بالحدود الموروثة عن الحقبة الاستعمارية.
طنجة بديلة لـ “روتا”: زلزال عسكري يهدد مدريد
ولا تتوقف المخاوف عند حدود الدعم الدبلوماسي. بل تمتد إلى العمق العسكري الاستراتيجي. إذ كشفت مصادر إعلامية وتقارير بحثية عن إمكانية نقل الولايات المتحدة لثقلها العسكري من قاعدة “روتا” البحرية وقاعدة “مورون” في إسبانيا نحو البنية التحتية المغربية. وتحديداً في طنجة.
وفي هذا السياق تبدو السيادة المغربية على سبتة ومليلية جزءاً من صفقة كبرى. حيث يظهر المغرب كحليف موثوق ومنسجم تماماً مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطق. بخلاف مدريد التي تعيش علاقاتها مع واشنطن فترات من الفتور والتوتر. هذا التحول قد يعني عملياً تخلي الولايات المتحدة عن إسبانيا كشريك استراتيجي أول في منطقة المتوسط لصالح الرباط.
مخاوف من “المادة 5” وغياب الحماية الأطلسية
ويبرز التقرير الإسباني نقطة ضعف قاتلة تشغل بال القادة في مدريد، وهي مدى فاعلية “المادة 5” من ميثاق حلف شمال الأطلسي (الناتو). حيث تسود شكوك حقيقية حول ما إذا كان الحلف سيتدخل لحماية سبتة ومليلية في حال تصاعدت المطالب المغربية. خاصة وأن هذه الأراضي تقع خارج النطاق الجغرافي التقليدي لتغطية الحلف التلقائية في شمال إفريقيا.
المغرب.. ديبلوماسية هادئة وقوة صاعدة
بينما يغرق المحللون الإسبان في سيناريوهات “الصدام”، تنهج الرباط سياسة واقعية وهادئة. فالرباط لا تبحث عن مواجهة مباشرة مع الجارة الشمالية، بل تستثمر في تعزيز موقعها كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها. ويظهر المغرب اليوم كطرف “ذكي” يستفيد من تحولات النظام العالمي لتثبيت حقوقه التاريخية، مع الحفاظ على قنوات الحوار والتعاون في ملفات الهجرة والأمن.
بناءً عليه، فإن ما يراه الإسبان “كابوساً جيوسياسياً” مرتبطاً بترامب، يراه مراقبون دوليون نتاجاً طبيعياً لتطور الدبلوماسية المغربية التي نجحت في تنويع شراكاتها وجعلت من استقرار المملكة ورقة حاسمة في أمن الملاحة الدولية بين القارتين.